العيني
46
عمدة القاري
فلم يكن ذلك الإسلام مهرا في الحقيقة ، والسورة من القرآن لا تكون مهرا بالإجماع ، ويكون المعنى : زوجتكها بسبب حرمة ما معك من القرآن وبركته ، فتكون الباء للتعليل كما في قوله : * ( فكلا أخذنا بذنبه ) * ( العنكبوت : 04 ) فإن قلت : في رواية ابن ماجة ذو جتكها بن علي ما معك من القرآن وفي مسند أحد السنة : ما معك من القرآن . قلت أما بن علي فإنها تجيء للتعليل أيضا كالباء كما في قوله تعالى : * ( ولتكبروا الله بن علي ما هداكم ) * ( البقرة : 581 ) أي : لهدايته إياكم ، ويكون المعنى زوجتكها لأجل ما معك من القرآن ولا ينافي هذا تسمية المال ، وأما مع ، فإنها للمصاحبة والمعنى ، زوجتكها لمصاحبتك القرآن فإن قلت : الأصل في الباء للمقابلة فتكون ههنا نحو وقولك : بعتك ثوبي بدينار . قلت : لا يصح هنا أن تكون للمقابلة لأنه يلزم أن تكون المرأة موهوبة وذلك لا يجوز إلاَّ للنبي صلى الله عليه وسلم . فإن قلت : المعنى زوجتكها بأن تعلمها ما معك من القرآن ، أو مقدار ما منه ، ويكون ذلك صداقها ، والدليل عليه ما جاء في رواية مسلم : أنطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن ، وفي رواية عطاء : فعلمها عشرين آية . قلت : قد ذكرنا غير مرة أن هذا لا ينافي تسمية المال فيكون قد زوجها منه مع تحريضه بن علي تعليم القرآن ، ويكون المهر مسكوتا عنه إما النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، قد أصدق عنه ، كما كفر عن الواطىء في رمضان إذ لم يكن عنده شيء موفقا بأمته ، وإما أنه أبقى الصداق في ذمته إلى أن ييسر الله عليه . 22 ( ( بابُ القِرَاءَةِ عنْ ظَهْرِ القَلْبِ ) ) أي : هذا باب في بيان القراءة عن ظهر القلب أي بغير نظر في المصحف . 0305 حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا يَعْقُوبُ بنَ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سعَدٍ أنَّ امْرَأةً جاءَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فقالَتْ : يا رسولَ الله ! جِئْتُ لِأَهَبَ لكَ نَفْسِي لكَ نَفْسِي فنَظَرَ إليْها رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فصَعَدَ النَّظَرَ إليْها وصوَّبَهُ ثُمَّ طأْطأ رَأسَهُ ، فلَمَّا رَأتِ المَرْأَةُ لَمْ يَقْضِ فِيها شَيْئا جلَسَتْ ، فقامَ رَجُلٌ مِنْ أصْحابِهِ فقال : يا رسولَ الله ! إنْ لَمْ يَكُنْ لكَ بِها حاجَةٌ فزَوِّجْنِيها . فقال لَهُ : هَلْ عِنْدَكَ منْ يْءٍ ؟ فقال : لا والله يا رسولَ اا . قال : إذْهَبْ إلى أهْلِكَ فانْظُرْ هَلْ نَجِدُ شَيْئا ؟ فذَهَبَ ثُمَّ رجَعَ فقال : لا والله يا رسولَ الله ، ما وجَدْتُ شَيْئَا . فقال : انْظُر ولَوْ خَاتما مِنْ حَديدِ ، فطهَبَ ثُمَّ رجَعَ ، فقال : لا والله يا رَسولَ الله ولا خاتَما مِنْ حَدِيدٍ ، ولاكِنْ هاذا إِزَارِي . قال سَهْلٌ : مالَهُ رِدَاءٌ فلَها نِصْفُهُ ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ما تَصْنَعُ بإِزَارِكَ ؟ إنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ علَيْها مِنْهُ شَيْءٌ وإنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ علَيْكَ شَيْءٌ ، فجَلَسَ الرَّجُلُ حتى طالَ مَجْلِسُهُ ، ثُمَّ قامَ فرآهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُوَلِّيَا ، فأمَرَ بهِ فَدُعِيَ فلَمَّا جاءَ قال : ماذَا معَكَ مِنَ القُرْآنِ ؟ قال : مَعِي سُورَةُ كذَا وسُورَةُ كَذا وسُورَةُ كَذا ، عَدَّها . قال : أتَقْرَؤُهُنَّ عنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ ؟ قال : نَعَمْ . قال : إذْهَبْ فقَدْ ملَّكْتُكَها بمَا معَكَ مِنَ القُرْآنِ . . مطابقته للترجمة في قوله : ( قال : أتقرؤهن عن ظهر قلبك ) وهو حديث سهل المذكور في الباب السابق . وأخرجه هنا وهو أتم من ذاك قيل : لا مطابقة هنا لأن قوله صلى الله عليه وسلم : ( أتقرؤهن عن ظهر قلبك ) إنما هو لاستثبات أنه يحفظ تلك السورة التي عدها وذلك ليتمكن من تعليمه المرأة ، ولا يدل بن علي أن القراءة عن ظهر القلب أفضل . وأجاب بعضهم بأن المراد به بقوله : باب القراءة عن ظهر القلب ، مشروعيتها أو استحبابها ، وهو مطابق لما ترجم به ، ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرا . قلت : سبحان الله ، ما أبعد هذا الجواب عن الصواب وأبرده ، والباب مذكور في بيان فضائل القرآن ، فكيف يقول : ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرا ؟ ولم يضع هذه الترجمة إلاَّ لبيان أفضلية القراءة نظرا . وإن كان فيه الاستثبات أيضا وهو لا ينافي الأفضلية